
يكاد يُجْمِعُ الباحثون في ما قبل التاريخ على أن الإنسانية إذا كان مهدها الأول هو شرقيّ إفريقيا فإنها تفتّحتْ على شاطئ البحر الأبيض المتوسط. وكانت مجلة الجمعية الجغرافية اللانغدوسية في فرنسا، قد نشرت، في أحد أعدادها الصادرة في بداية العقد التاسع من القرن التاسع عشر نصا لرحلة من جبال القمر( منطقة البحيرات العظمى في وسط إفريقيا) إلى مدينة تقّرت في شرقي الجزائر تبيّن وجود مسار يسلكه البشر والقوافل منذ القِدَم؛ مما يبرهن على أن الأراضي الجزائرية ظلت حلقة وصل بين أعماق القارة السمراء وسواحل المحيط الهندي من جهة وبين غربي العالم القديم من جهة أخرى، إضافة إلى ربطها بين المشرق وبين أقصى المغرب.
لا غرو إذن أن يجد الفينيقيون مراسِيَ لسفنهم التجارية وأسواقا لبضائعهم على الشواطئ الجزائرية منذ القرن الثاني عشر قبل الميلاد، ويجد من تلاهم الطريق ممهَّدا للاستقرار من حيث مقومات التمدن والحضارة.
ويكفي شاهدا على ذلك أن إقليم نوميديا الذي حمل لاحقا اسم الزاب أربك الدول المتعاقبة من حيث اختيار عاصمة له، مما يفسر كثرة عواصم هذا الإقليم: تازولت، طبنة، المسيلة، مقرة...
هذا، فضلا عن الحواضر العريقة الأخرى التي كانت مراكز إشعاع حضاري على كل الأصعدة، أخذت بمجامع الألباب وتغنى بها شعراء ضفتي البحر المتوسط وقصدها العلماء والأدباء وحتى التجار الذين أسالت ريقهم كما أسالت حِبْرَ أقلام كثيرة.
تلمسان، مهد الصوفية والعقائد وعلوم الفلك والحساب والطب والطبوع، بجاية معبر المذهب المالكي إلى باقي إفريقيا، قسنطينة حصن حصين، وهران ثغر الجُمان، الجزائر الثغر الأبيض، ورقلة البوابة إلى بلاد السودان، القليعة ملجأ الأندلسيين، تمنراست طائف الصحراء الكبرى، عنابة المدينة الملكية، غرداية عاصمة وادي الشبكة... وللحديث بقية